النووي

18

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ ، هُوَ الْأَوَّلُ . وَلَوْ قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَلَمْ يَقُلْ لِلسُّنَّةِ ، ثُمَّ فَسَّرَ بِالتَّفْرِيقِ عَلَى الْأَقْرَاءِ ، لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا ، وَهَلْ يُدَيَّنُ فِي الصُّورَتَيْنِ ؟ وَجْهَانِ ، الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ ، نَعَمْ . وَمَعْنَى التَّدْيِينِ مَعَ نَفْيِ الْقَبُولِ ظَاهِرًا ، أَنْ يُقَالَ لِلْمَرْأَةِ : أَنْتِ بَائِنٌ مِنْهُ بِثَلَاثٍ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ ، وَلَيْسَ لَكِ تَمْكِينُهُ إِلَّا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّكِ صِدْقُهُ بِقَرِينَةٍ ، وَيُقَالُ لِلزَّوْجِ : لَا نُمَكِّنُكَ مِنْ تَتَبُّعِهَا ، وَلَكَ أَنْ تَتَبَّعَهَا ، وَالطَّلَبُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ، وَتَحِلُّ لَكَ إِذَا رَاجَعْتَهَا . وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ حُكِمَ بِالْقَبُولِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، فِيمَا إِذَا قَالَ لِصَغِيرَةٍ : أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : أَرَدْتُ إِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ ، وَفِيمَا إِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ قَالَ : أَرَدْتُ إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ ، أَوْ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ . وَأَلْحَقَ الْقَفَّالُ وَالْغَزَالِيُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَا إِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ ، ثُمَّ قَالَ : أَرَدْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَكَذَلِكَ كُلَّمَا أُحْوِجَ إِلَى تَقْيِيدِ الْمَلْفُوظِ بِهِ بِقَيْدٍ زَائِدٍ . وَالصَّحِيحُ الْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ ، أَنَّهُ لَا يُدَيَّنُ فِي قَوْلِهِ : أَرَدْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَيُدَيَّنُ فِي قَوْلِهِ : أَرَدْتُ عَنْ وِثَاقٍ ، أَوْ إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ أَوْ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ . وَفَرَّقُوا بَيْنَ قَوْلِهِ : أَرَدْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَبَيْنَ سَائِرِ الصُّوَرِ بِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى يَرْفَعُ حُكْمَ الطَّلَاقِ جُمْلَةً ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ اللَّفْظِ وَالتَّعْلِيقُ بِالدُّخُولِ ، وَمَشِيئَةِ زَيْدٍ ، لَا يَرْفَعُهُ ، لَكِنْ يُخَصِّصُهُ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ . وَقَوْلُهُ : مِنْ وِثَاقٍ ، تَأْوِيلٌ وَصَرْفٌ لِلَّفْظِ مِنْ مَعْنًى إِلَى مَعْنًى ، فَكَيْفَ فِيهِ النِّيَّةُ ، وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً ، وَشَبَّهُوهُ بِالنَّسْخِ ، لَمَّا كَانَ رَفْعًا لِلْحُكْمِ ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِاللَّفْظِ ، وَالتَّخْصِيصُ يَجُوزُ بِالْقِيَاسِ .